النووي

78

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

فِي الدُّخُولِ مُحْرِمًا ، فَهُوَ كَحُرٍّ ، وَالْمَذْهَبُ : الْأَوَّلُ . وَإِذَا اجْتَمَعَتْ شَرَائِطُ الْوُجُوبِ ، فَدَخَلَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَطَرِيقَانِ . أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : عَلَى وَجْهَيْنِ . وَقِيلَ : قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا : هَذَا . وَالثَّانِي : يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ، تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ . وَسَبِيلُهُ عَلَى هَذَا ، أَنْ يَخْرُجَ ثُمَّ يَعُودَ مُحْرِمًا . وَعَلَّلُوا عَدَمَ الْقَضَاءِ بِعِلَّتَيْنِ . إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ الثَّانِيَ يَقْتَضِي إِحْرَامًا آخَرَ ، فَصَارَ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا . وَفَرَّعَ صَاحِبُ « التَّلْخِيصِ » عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ كَالْحَطَّابِينَ ، ثُمَّ صَارَ مِنْهُمْ قَضَى لِتَمَكُّنِهِ . وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْهُ : أَنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ . وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ ، وَبِهَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقَفَّالُ : أَنَّهُ تَحِيَّةٌ لِلْبُقْعَةِ ، فَلَا تُقْضَى كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ . وَأَبْطَلُوا الْعِلَّةَ الْأُولَى . قَالَ ابْنُ كَجٍّ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ : إِنَّهُ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْمِيقَاتِ عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ . فَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ أَصْلِهِ . وَهَلْ يَنْزِلُ دُخُولُ الْحَرَمِ مَنْزِلَةَ دُخُولِ مَكَّةَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ؟ قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ : نَعَمْ ، وَالْمُرَادُ بِمَكَّةَ فِي هَذَا الْحَرَمُ . وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ عَلَى خِلَافٍ سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ . قُلْتُ : الصَّوَابُ : الْقَطْعُ بِأَنَّ الْحَرَمَ كَمَكَّةَ فِي هَذَا . وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ ، وَصَرَّحَ بِهِ خَلَائِقُ مِنْهُمْ صَاحِبُ « الْحَاوِي » وَالْمُحَامِلِيُّ فِي « الْمُقْنِعِ » ، وَغَيْرُهُ ، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي « التَّحْرِيرِ » ، وَالشَّاشِيُّ فِي « الْمُسْتَظْهِرِيِّ » ، وَالرُّويَانِيُّ فِي « الْحِلْيَةِ » ، وَغَيْرُهُمْ . وَعَجَبٌ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ : قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مَعَ شُهْرَةِ هَذِهِ الْكُتُبِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .